تخطى إلى المحتوى

السماح بالرحيل المؤلف: د. ديفيد هاوكينز

السماح بالرحيل ديفيد هاوكينز

يُقدم هذا العمل وسائل بسيطة وفعّالة للسماح برحيل المشاعر والتحرر منها.
إن تقنية السماح بالرحيل عبارة عن نظام واقعي يقضي على العقبات والتعلقات ويمكن تسميتها أيضًا بتقنية التسليم، وهي ببساطة تقنية تُحررنا من التعلقات العاطفية وتُثبت تعاليم كل حكيم أن التعلق هو المسبب الأول للمعاناة.
إن المشاعر تُسيّر العقل وأفكاره، وكل شعور هو مشتق تراكمي لآلاف من الأفكار، ولأن أكثر الناس يقضون حياتهم في قمع مشاعرهم وكبتها والتهرب منها، فإن الطاقة المقموعة تتراكم وتبحث عن مخرج للتعبير من خلال الآلام والأمراض النفسية والاضطرابات الجسدية والسلوك المضطرب في العلاقات الشخصية، بالإضافة إلى أن المشاعر المتراكمة تُعيق النضج الروحاني، والوعيّ، فضلاً عن إعاقتها للنجاح في الكثير من مجالات الحياة.

ما هي آلية السماح بالرحيل ؟

السماح بالرحيل باختصار هو عملية تحدث بوعيّ وتتكرر بناءً على رغبتك، وبهذا تكون مسؤولاً عن مشاعرك ولن تكون تحت رحمة العالم وردات فعلك تجاهها ولن تكون الضحية.
نحمل على عاتقنا تراكمات من المشاعر والسلوك والاعتقادات السلبية، وهذا الضغط المتراكم يجعلنا بائسين، وهو مصدر للكثير من الأمراض والمشكلات التي تواجهنا، فنحن نستسلم لهذه السلبيات ونفسرها بإنها “حالة إنسانية”، ونسعى للفرار منها بطرق لا تعد ولا تُحصى.
فيمضي الإنسان العادي حياته في محاولة تجنب فوضى مشاعر الخوف من الألم والعذاب والفرار منها، أما مشاعر حُبّ الذات فهي مهددة دومًا على الصعيدين الداخلي والخارجي.
ليست الأفكار التي تؤلمنا ولا الحقائق ولكنها المشاعر التي تُصاحبهم، فالأفكار بحد ذاتها غير مؤلمة، إنها المشاعر الكامنة خلفها!
إن ما يُسبب الأفكار هو ضغط المشاعر المتراكمة، فشعور واحد على سبيل المثال يمكن أن يتسبب بالضبط بآلاف الأفكار خلال فترة معينة، فكر على سبيل المثال بذكرى مؤلمة حصلت منذ زمنٍ بعيد، بشعورٍ واحد من الندم الشديد اختبأ في داخلك، وأنظر إلى الأفكار المتعلقة بهذا الحدث الواحد التي راودتك عامًا تلو الآخر. إذا ما استطعنا أن نتخلى عن الشعور المؤلم الكامن خلفها فإن كل هذه الأفكار ستختفي فوراً وسننسى ما حصل.

المشاعر والآلية العقلية

لدينا ثلاث طرق في التعامل مع المشاعر: القمع والتعبير والهروب. وفيما يلي سنتطرق لكل واحدة على حِدة:

1. القمع والكبت

هاتان الطريقتان من أكثر الطرق استخدامًا فمن خلالهما ندفن مشاعرنا ونضعها جانبًا، يحدث الكبت بلا وعيّ أما القمع فبوعيّ، فنحن لا نود أن نُزعج أنفسنا بمشاعرنا، فضلاً عن أننا لا نعرف ماذا بإمكاننا أن نفعل غير ذلك.
نعاني منها ونحاول أن نستمر بالحياة بقدر الإمكان، والمشاعر التي نختار أن نقمعها أو نكبتها تتوافق مع برمجيات بالوعي واللاوعي فنحملها بداخلنا بحسب العرف الاجتماعي والبيئة الأسرية، فتظهر المشاعر المقموعة لاحقًا على هيئة انفعال ومزاجية وتوتر في العضلات والرقبة والظهر، وصداع ومغص حاد واضطرابات في الدورة الشهرية والتهاب قولون وعسر هضم وأرق وحالات جسدية أخرى.
وعندما نكبت شعورًا ما، فإن هذا يكون بسبب الشعور بالكثير من الذنب أو حتى الخوف من شعور لم نشعر به بوعيّ أبدًا، فيندفع فورًا نحو اللاوعي بمجرد أن يهدد بالظهور، وبهذا يتم التعامل معه بعدة طرق لضمان إبقائه مكبوتًا وخارج نطاق الوعيّ.

2. التعبير

مع هذه الآلية، يتم التنفيس عن المشاعر والتعبير عنها من خلال لغة الجسد وإظهارها عن طريق مجموعة مظاهرات غير منتهية، فالتعبير عن المشاعر السلبية يسمح فقط بالتنفيس عما يمكن من الضغط الداخلي ليتم قمع ما يتبقى منه، وهناك نقطة مهمة يجب فهمها، ففي حين يؤمن الكثير من الناس أن التنفيس عن مشاعرهم يُحررهم منها، فإن الواقع عكس ذلك، فالتعبير عن شعورٍ ما، أولاً يزيده ويُعطيه طاقة أكبر، وثانياً فإنه ببساطة يقمع ما تبقى من المشاعر ويُخرجها من نطاق الوعي. إضافة إلى أن إفراغنا مشاعرنا السلبية على الآخرين، سيعتبرونها هجوماً عليهم، ما يُجبرهم بالمقابل على قمع مشاعرهم أو التعبير عنها أو الهروب منها، ولذلك فإن التعبير عن السلبية ينتج عنها تدهور في العلاقات ودمارها.
وأفضل بديل لها هو تحمل مسؤولية مشاعرنا وتحييدها وبهذا لا يتبقى سوى المشاعر الإيجابية للتعبير عنها.

3. الهروب

هو تجنب المشاعر من خلال الإلهاء، فهو أساس صناعة التسلية وهو طريقة مدمني العمل.
يشعر الناس بالتعاسة لأنهم غير واعين، فنحن نلاحظ كم مرة يشعلون التلفاز بمجرد دخولهم إلى البيت ليدخلوا في حالة تشبه الحلم ودائمًا ما يكونون مبرمجين بسبب البيانات التي صُبت بداخلهم. وهم يخشون مواجهة أنفسهم ويفزعهم الجلوس بمفردهم ولو لدقيقة وهذا ما تسبب في وجود أنشطة مجنونة مستمرة: النشاطات الاجتماعية التي لا تنتهي والرسائل النصية والعمل والسفر والتسوق…

إن العديد من أساليب الهروب أعلاه خاطئة ومجهدة وغير مجدية فهي تحتاج إلى كميات هائلة من الطاقة كي تضمن عدم زيادة الضغط الناتج عن القمع والكبت، فيحدث فقدان تدريجي للوعي وكبح للنضج، بالإضافة إلى خسارة الإبداع والطاقة والاهتمام الحقيقي بالآخرين، وبالمقابل زيادة في المشكلات الجسدية والنفسية والوفاة المبكرة.

إن إسقاط هذه المشاعر المكبوتة يتسبب في مشكلات اجتماعية واضطرابات، وزيادة في الأنانية والقسوة التي تعد سمة من سمات حاضرنا، والأهم من هذا كله فإنه يؤثر في عدم القدرة على حب الشخص الآخر والثقة به، ما يؤدي إلى العزلة العاطفية وكره الذات. وعلى العكس مما ذكر بالأعلى وبدلاً من ذلك، ما الذي يحدث حينما نسمح برحيل شعورٍ ما؟ تستسلم الطاقة الكامنة خلف هذا الشعور وبهذا نتحرر من الضغط.

آلية السماح بالرحيل

السماح بالرحيل يعني إدراك شعور ما، السماح له بالظهور، المكوث معه، والسماح له أن يأخذ مجراه دون محاولة تغييره، أو القيام بأي شيء حياله. إنه ببساطة يعني السماح له أن يكون هنا والتركيز على التخلص من الطاقة التي تكمن خلفه.

الخطوة الأولى أن تسمح لنفسك أن تشعر بالشعور بدون مقاومته، أو الهروب منه، أو إدانته، أو تهذيبه. إنه يعني أن تُسقط الأحكام وترى أنه ما هو إلا شعور.

اسمح برحيل رغبتك في مقاومة الشعور، فالمقاومة هي ما تجعل الشعور يستمر، فعندما تتخلى عن المقاومة أو محاولة تغيير الشعور ستتحول إلى شعور آخر وسيُصاحبها إحساس أكثرَ خفة، فالشعور الذي لم تتم مقاومته سيختفي وستتبدد معه الطاقة الكامنة خلفه.

عندما تسمح بالرحيل، تجاهل كل الأفكار التي تراودك، ركزّ على الشعور بحد ذاته، فالأفكار لا تنتهي وتولد المزيد منها وما هي إلا تبريرات من العقل في محاولة تفسير سبب وجود الشعور. أما السبب الحقيقي للشعور فهو الضغط المتراكم خلفه الذي يُجبره على الظهور في لحظة ما، فما الأفكار أو الأحداث الخارجية إلا أعذاراً من صُنع العقل.

مقاومة السماح بالرحيل

إن السماح برحيل المشاعر السلبية يعني حل الأنا التي ستحاول أن تقاوم في كل مرة، من خلال جعل الطريقة محل شك، أو من خلال “نسيان” التسليم أو زيادة مفاجئة في الهروب من الواقع أو التنفيس عن المشاعر بالتعبير والتصرفات. والحل بكل بساطة يكمن في الاستمرارية في السماح برحيل المشاعر التي تنتابك نحو الآلية نفسها. دع المقاومة تأتي ولكن لا تقاوم المقاومة، فأنت حر وليس عليك أن تسمح بالرحيل ولا أحد يجبرك على ذلك.

إدراك المشاعر: وفقاً للنتائج العلمية، فإن كل الأفكار تُحفظ في بنك ذاكرة العقل تحت نظام إيداع يعتمد على المشاعر المرتبطة وتدرجاتها الدقيقة، فتُحفظ بحسب درجة المشاعر وليس الواقع، وبناء على ذلك، توجد قاعدة علمية للمراقبة توضح أن الوعي الذاتي يزداد من خلال مراقبة المشاعر بصورة أسرع وأكثر من الأفكار، فالأفكار المرتبطة بشعور واحد فقط قد تتكاثر فعليّاً إلى آلاف، ولهذا فإن إدراك المشاعر الكامنة والتعامل معها بصورة صحيحة هي أكثر نفعاً وأقل استهلاكاً للوقت من التعامل مع فكرة واحدة.

الشفاء من الماضي: عندما ننظر إلى حياتنا سنجد بقايا أزمات لم تحل حتى الآن، حيث ما تزال الأفكار والمشاعر حول هذه الحوادث القديمة تؤثر في مفاهيمنا، وسنلاحظ أنها تعيقنا في جوانب محددة من حياتنا.

يقال أن أكثر الناس يضيعون حياتهم بالتحسر على الماضي والخوف من المستقبل، ولذلك فهم عاجزون عن الشعور بالفرح في الحاضر، والكثير منا يفترض أن هذا قدر البشر، وأن أقصى ما يمكننا فعله هو “التبسّم ولعق الجراح”. وقد اغتنم بعض الفلاسفة فرصة وجود أسلوب الحياة السلبي والمتشائم هذا وأسسوا أنظمة متكاملة من العدمية. وما هؤلاء الفلاسفة الذين أصبح عددًا منهم مشهورًا مع مرور الأعوام، إلا ضحايا الألم النفسي الذي لم يتعاملوا معه.

يقضي بعض الناس كل حياتهم في بناء نظم فكرية معقدة لتوضيح ما هو واضح بأنه “مشاعر مقموعة”. وإحدى أكثر الطرق فعالية في معالجة الماضي هي خلق سياق مختلف، أي نعطيه معنى مختلف فنأخذ مواقف صعبة سببت لنا صدمة في الماضي ونرى الهبة التي تحملها في طياتها. ويعود الفضل في اكتشاف هذه التقنية لأول مرة في الطب النفسي لــ “فيكتور فرانكل”، وقد شرح هذه الطريقة التي أسماها “العلاج بالمعنى” في كتابه المعروف (الإنسان يبحثُ عن المعنى). حيث أثبتت تجاربه السريرية والشخصية أن المواقف العاطفية والحوادث المؤلمة ستتغير كثيراً وتلتئم إذا ما تم إضفاء معنىً جديد عليها.

فكل تجربة في الحياة مهما كانت “مأساوية” تحمل في طياتها درسًا خفيّا حين نكتشفه ونعترف بوجود هبة بين طياته يحصل الشفاء.

ولهذا فإن أزمات الحياة هي فُرص للنضج والتوسع والتجربة والتطور، وفي بعض الحالات ومع استعادة أحداث الماضي يتبيّن أنه كان يوجد هناك هدف بالواقع خلف الحدث في اللاوعي، وكأن اللاوعي لدينا عرف أن هناك أمراً مهماً لا بد أن نتعلمه، وقد كان مؤلماً لأنها كانت الطريقة الوحيدة التي يمكن أن تحقق التجربة.

تعزيز المشاعر الإيجابية: إن النتيجة اللازمة للسماح برحيل المشاعر السلبية هي ترك مقاومة المشاعر الإيجابية، فلكل شيء بالكون نقيضه ولهذا فإن لكل شعور سلبي بالعقل نظير، إما قصور أو عظمة، سواء كنا مدركين لوجوده على الدوام في لحظة معينة أم لا.

لنفترض على سبيل المثال أن عيد ميلاد أحد الأصدقاء اقترب وفي نفس الوقت يراودنا شعور بالغضب وآخر متعلق بالبخل، ولهذا لا نرغب بالذهاب إلى السوق لشراء هدية، في حين أن موعد الميلاد يقترب أكثرَ فأكثر، وهكذا فإن الشعور المعاكس تماماً لما نشعر به هو الغفران والكرم، وكل ما علينا فعله هو البحث عن شعور الغفران في داخلنا والتوقف عن مقاومته. وبينما نستمر في السماح برحيل مقاومة أن نكون شخص مسامح، سنتفاجأ غالباً بانه يظهر ويتدفق وسنبدأ بعدها بإدراك أن هناك جزء من طبيعتنا لطالما رغب وأراد أن يُسامح غير أننا لم نعطه فرصة.

اللامبالاة والاكتئاب

اللامبالاة هي الإيمان بــ”لا أستطيع”، هي الشعور بأننا لا يمكننا فعل أي شيء حيال موقفنا ولا أحد آخر يمكنه مساعدتنا، هي اليأس والعجز، وهي مرتبطة بأفكار مثل: “من يهتم؟”، “ما الفائدة؟”، “ملل”.

إنه الإحباط والهزيمة والمستحيل والصعب جدًا والتنازل والعزلة والتوقف عن فعل كل شيء…

قد تظهر مشاعر لا مبالاة نحو تقنية السماح بالرحيل ذاتها على هيئة مقاومة، وتأتي هذه المقاومة على شكل سلوك وأفكار مثل: “لن تعمل بأي حال من الأحوال”، “ما الفرق؟”، “أنا مشوش جدًا”، “أُعاني من اكتئاب شديد”.

ويمكن التخلص من اللامبالاة خلال تذكير أنفسنا بهدفنا أن نزيد من مستوى وعينا وأن نتحرر أكثر وأن نصبح أكثر فعالية وسعادة، وفي السماح برحيل مقاومة التقنية نفسها.

لا أستطيع مقابل لا أريد

توجد طريقة أخرى للتخلص من اللامبالاة وهي أن ننظر إلى المكافأة التي نحصل عليها من السلوك اللامبالي، فقد تكون مجرد أعذار لحفظ ماء الوجه وتغطية ما هو بالأساس عبارة عن خوف.

في حين أننا بالواقع، مخلوقات قادرة جدًا، لهذا فإن أكثر الـــ “لا أستطيع”، هي بالأساس “لا أريد”، وكثيراً ما يكون هناك خوف خلف “لا أستطيع” أو “لا أريد”، وبعدها وبمجرد أن نرى حقيقة الشعور الكامن، فإننا نرتقي تلقائياً في المقياس من اللامبالاة إلى الخوف، فطاقة الخوف أعلى من طاقة اللامبالاة، لأن الخوف على الأقل يُحفزنا على التصرف، ومن خلاله أيضًا يمكننا أن نتخلى عن الخوف لنرتقي إلى الغضب أو الفخر أو الشجاعة، وكلها حالات أعلى من اللامبالاة.

لنأخذ مثالاً نموذجياً لمشكلة إنسانية ونتقصى كيف تعمل آلية التسليم على تحريرنا من عقبة. والتحدث أمام الجمهور هو أحد أمثلة العقبات، وعلى مستوى اللامبالاة فإننا نقول: “لا أستطيع أن أتحدث أمام الجمهور، لن يرغب أحد بالاستماع إليّ على أي حال وليس لدي ما يستحق أن يُقال”، وإذا ذكّرنا أنفسنا بهدفنا، سنرى أن اللامبالاة ما هي إلا غطاء للخوف، فتغدو الفكرة الآن، أن التحدث أمام الجمهور أمرٌ مُرعب وليس مستحيل، وهذا يُعطي توضيح أكثر. فالحقيقة، ليست في كوننا “لا نستطيع” وإنما كوننا “خائفين”. وعندما يظهر هذا الخوف ويتم السماح له بالرحيل، ندرك حقيقة أن لدينا رغبة بعمل الشيء الذي نخافه.

والآن عندما نلقي نظرة على الرغبة التي حجبها الخوف التي قد تكون ممزوجة أيضًا ببعض الأسى بسبب ضياع فرص في الماضي، يظهر الغضب، وعند هذه النقطة، نكون قد انتقلنا من اللامبالاة إلى الحزن فالرغبة وأخيرًا الغضب. وتوجد في الغضب طاقة أكثر وقدرة أكبر على التصرف، فغالباً ما يأتي الغضب على شكل حنق مثل الحنق من أننا وافقنا على التحدث أمام الجمهور وأننا الآن نشعر أننا ملزمون بالقيام به.

يوجد أيضًا غصب من خوفنا الذي منع عنّا الإنجازات في الماضي، والغضب يؤدي إلى قرار التصرف وإيجاد حل، وهذا القرار قد يأخذ شكل دورة في التحدث أمام الجمهور، وعندما نأخذ دورة في التحدث أمام الجمهور، فإننا نكون بذلك قد ارتقينا إلى طاقة الفخر، وبهذا نكون أخيرًا قد تعاملنا مع المشكلة مباشرة وبدأنا بالقيام بشيء حيالها.

اللوم: إن إحدى أكبر العوائق في تخطي الاكتئاب واللامبالاة هي اللوم، فاللوم هو موضوع بحد ذاته.

لنلقي نظرة على المقابل الذي نحصل عليه من اللوم، فهناك الكثير من الأرباح التي نجنيها منه، فهو يجعلنا بريئين، ويجعلنا نستمتع بالشفقة على أنفسنا، ويجعلنا الشهيد والضحية، ويجعلنا نستقبل رأفة الغير. وربما أكبر ربح يُقدمه اللوم هو أننا ضحية بريئة بينما الطرف الآخر هو شخص سيء.

يعد اللوم من أعظم الأعذار في العالم، فهو يسمح لنا أن نبقى محدودين وقاصرين بدون الشعور بالذنب، ولكن يوجد ثمنٌ لهذا ألا وهو فقدان حريتنا، فضلاً عن أن دور الضحية يجلب معه تصور ذاتي بالضعف والقابلية للجرح والعجز، وهي عناصر اللامبالاة والاكتئاب الرئيسية.

إن الخطوة الأولى للخروج من دائرة اللوم هي أن نرى أننا نحن من نختار أن نلوم، فهناك أشخاص آخرين مروا بنفس ظروفنا وأصفحوا ونسوا وتعاملوا مع نفس الموقف ولكن بطريقة مختلفة تماماً.

فعلينا أن نكون صادقين ونُدرك أننا نلوم الآخرين لأننا اخترنا أن نلوم، هذا حقيقي مهما كانت الظروف تُظهر أنها مبررة، فهي ليست مسألة صح أو خطأ وإنما هي مجرد مسألة تولي زمام مسئولية وعينا الخاص.

الأسى: تجربة مشتركة فيما بيننا، ففي الأسى نشعر وكأن الأمور صعبة جدًا وأننا لن ننجح، لا نُحِب ولا نُحَب.

تنتابنا أفكار مثل: “كل السنوات التي ضيعتها”. الأسى شعورًا بالحزن والخسارة والوحدة. إنه شعور: “فقط لو أنني” إنهُ شعور الندم.

السماح بالشعور بالأسى: أكثرنا يحمل قدرًا كبيرًا من الأسى المقموع، والرجال تحديدًا يميلون لإخفاء هذا الشعور، حيثُ يُعتبر البُكاء من الجبن وعدم الرجولة، ويخشى أغلب الناس من كمية الأسى الذي يقمعونه ويشعرون بالذعر من أن يغمرهم ويُهيمن عليهم.

إن الأسى المقموع هو المسؤول عن العديد من الأمراض السيكوسوماتية (مرضٌ أو تعب ناتج عن ضغط نفسي أو توتر في العقل الباطن وغالباً ما يكون غير منطقي). عندما نسمح للشعور بالظهور وعندما نتخلى عنه بدلاً من أن نقمعه، يمكن أن نقفز بسرعة من مستوى الأسى إلى القبول.

الحزن المستمر على الخسارة يأتي من مقاومة تقبّل هذه الحالة والسماح للحزن كي يُعاش، فالإصرار على شعورٍ ما هو بسبب مقاومة السماح له بالرحيل. ولكن وبمجرد أن نقبل حقيقة أننا يمكننا التعامل مع الأسى، نصعد تلقائياً إلى مستوى الفخر، ويأخذنا شعور: “أستطيع أن أقومَ به” إلى مستوى الشجاعة حيثُ مواجهة مشاعرنا الداخلية والسماح لها بالرحيل وبالتالي ننتقل إلى مستوى التقبّل وأخيرًا إلى السلام.

إن حقيقة أن للأسى وقتٌ محدود، تُعطينا الشجاعة والاستعداد لمواجهته، فإذا لم نقاومه وتخلينا عنه كله سيرحل خلال 10 إلى 20 دقيقة، وبعدها سيتوقف لفترات متفاوتة من الزمن، وإذا استمرينا في التخلي عنه في كل مرة يظهر فيها، سيرحل أخيرًا. فكل ما علينا فقط هو أن نسمح لأنفسنا باختباره تماماً، وأن نتحمل هيمنة الحزن لمدة 10 إلى 20 دقيقة ومن ثم سيختفي فجأة، وبالمقابل فلو قاومنا الحزن فإنه سيظل مستمرًا، فالأسى المقموع قد يستمر لمدة أعوام.

الشجاعة

إن السمة المميزة بالشجاعة هي معرفة أني “أستطيع” والشعور بها، وهي حالة إيجابية نشعر فيها بالاطمئنان، ويشعر الشخص في هذه الحالة أنه ماهرٌ وكفء وقادرٌ وحيّ ومُحبٌ ومعطي مع الشعور عموماً بحيوية الحياة.

شجاعة السماح بالرحيل: إن مستوى الشجاعة مفيد جدًا في آلية التسليم، ففي الشجاعة نعلم بأنه “باستطاعتي التمعن في مشاعري”، “أستطيع أن أتعامل معها”، “أستطيع أن أتعلم كيف أتقبلها وأتحرر منها”.

غالباً ما يكون من السهل القفز من مشاعر منخفضة إلى شعور الشجاعة من خلال تأكيد شجاعتنا وقدرتنا على التمعن في مشاعرنا والتعامل معها فقط، فمجرد الاستعداد لإلقاء نظرة عليها وبدء التعامل معها يزيد من تقديرنا لذاتنا، فإذا ما كنا نعاني من الخوف على سبيل المثال ولم نكن مستعدين لإلقاء نظرة على مشاعرنا سنشعر بالنقص ويقل تقديرنا لذاتنا، وبالمقابل فإذا كنا مستعدين للتمعن في الخوف وتفحصه والاعتراف بوجوده لنرى كيف يُعلّق حياتنا ومن ثم بدأنا بالتخلي عنه، فإن تقديرنا لذاتنا يرتفع سواء اختفى الخوف أم لم يختفِ.

القبول:في القبول نستمتع بتجربة التناغم، نشعر وكأن الأحداث تتدفق، نشعر بالأمان وأننا يمكننا أن نخدم الآخرين بدون أن يراودنا شعور التضحية بالذات، يوجد شعور: “أنا بخير، وأنتَ بخير”.

في حالة القبول، يوجد شعور بانه لا حاجة لتغيير أي شيء، كل شيء مُتقن وجميل بالحالة التي هو عليها، فالعالم من أجل أن يتم الاستمتاع به، وفي هذه الحالة، يوجد شعور بالتعاطف تجاه الآخرين وكل الكائنات الحية، فنرعى الآخرين وندعمهم تلقائياً بدون أن ينتابنا أي شعور بالتضحية. وبسبب الأمن الداخلي والشعور بالوفرة، يتولّد فينا سخاء وسهولة بالعطاء بدون توقع أن يرد الآخرين الجميل أو يحفظونه في سجلاتهم.

ثمرات السماح بالرحيل

إن أكثر تأثيرات السماح برحيل المشاعر السلبية وضوحاً هي استمرار عملية النضج العاطفي والنفسي وحل المشكلات التي لطالما كانت موجودة منذ حين، فينتابنا السرور والرضا لأننا بدأنا باختبار التأثيرات القويّة للتخلص من العقبات التي كانت تمنع الإنجازات والإشباع في الحياة ونبدأ سريعًا باكتشاف أن المعتقدات السلبية والأفكار المحدودة التي تمسكنا بها، بسذاجة، ظنًا منّا أنها صحيحة، لم تكن إلا نتيجة المشاعر السلبية المتراكمة. فعندما يتم السماح برحيل الشعور، يتغير نمط الفكرة من “لا أستطيع، إلى أستطيع”، و”أنا سعيدٌ بالقيام بذلك”. وهكذا تنفتح مجالات الحياة بأكملها على مصراعيها، فما اعتدنا أن نراه بأنه شاق ولا يمكن التعبير عنه، يُصبح يسير ويعجّ بالحيوية والمرح.

في حالة التسليم، نستقل عن العالم الخارجي كمصدر رضا لأننا وجدنا مصدر السعادة بداخلنا، وتتم مشاركة السعادة مع الآخرين، ولهذا يُصبح الشخص المستسلم في العلاقات، طرفٌ داعم ومُتعاطف ومُشجع وصبور ومُتسامح ويُصبح هناك تلقائية في تقدير قيمة الآخرين وقدرهم وفي مراعاة مشاعرهم.

استمع لملخص كتاب السماح بالرحيل للمؤلف ديفيد هاوكينز

السماح بالرحيل ديفيد هاوكينز